محمد جواد مغنية
192
في ظلال نهج البلاغة
الطفل في أحلامه وأمانيه الكاذبة . . على أن من أحلام الأطفال ما هو ممتع ونبيل وواقع أيضا ، ولا شيء في أحلام من وصفه الإمام إلا الفقر والفاقة ( وعقول ربات الحجال ) في الحرب والاستعداد لها . ( لوددت أني لم أركم ، ولم أعرفكم ) لأنه ( ع ) لم يبلغ بهم أية غاية للَّه فيها رضى ، وللناس فيها صلاح ( لقد ملأتم قلبي قيحا ، وشحنتم صدري غيظا ، وجرعتموني نغب التهمام أنفاسا ) . هل هذه شكوى إلى اللَّه ، أم نفثة مصدور وهل لهذا الألم من مثيل . أبدا . . حتى نفس واحد لا يصفو من الكدر . . ولا عجب . . انها حياة المخلصين مع الخونة ، والصادقين مع أهل الغدر والنفاق . ومن أقواله ( ع ) : كانت الرعايا قبلي تشكو حيف راعيها ، وانني اليوم لأشكو حيف رعيتي ، كأنني المقود وهم القادة . والسر أن الإمام يتطلع إلى إحقاق الحق ، فهو وحده المثل الأعلى ، والناس تقودهم الرغبة والرهبة . . وربما يتساءل : هل تصلح هذه السياسة مع الناس ، أو ان صاحبها يعيش غريبا أينما كان في شرق الأرض أو في غربها . ويجيب الإمام ( ع ) عن هذا التساؤل بقوله : « واللَّه ما يزيدني كثرة الناس حولي عزة ، ولا تفرقهم عني وحشة » . وسنعود إلى هذا الموضوع ان شاء اللَّه . ( حتى لقد قالت قريش : ان ابن أبي طالب رجل شجاع ، ولكن لا علم له بالحرب ) . معاوية له علم بالحرب بزعم قريش ، ولما ذا لأنه أعطى مصر طعمة لابن العاص ، وألف جيشا من المرتزقة يحسنون النهب والسلب ، والترهيب والترغيب ، والحرب والقتل والغدر والاغتيال ، ويتعطشون لدماء الشيوخ والنساء والأطفال ، وبتعبير العقاد : « جلادون ، وكلاب طراد » يثبون وينهشون . . أما علي فلا علم له بالحرب كما يزعمون ، لأنه يكرهها ، ولا يخوضها إلا دفاعا عن الحق والعدل ، وحرصا على النظام والأمن ، ولا يجعلها وسيلة لتمجيده وشهرته ، ولا أداة لمنفعته وسيطرته . . وإذن أين علمه بالحرب وفهمه . ( لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين وها أنذا قد ذرفت على الستين ) . العلم حفظ التجارب والممارسة ، وعلي ( ع ) مارس الحرب وخاضها مرات منذ الصغر حتى الكبر ، فهو أعلم الناس بها وبمواقعها ، ومتى يجب أن تعلن وعلى من ( ولكن لا رأي لمن لا يطاع ) . رفع معاوية المصاحف ، فقال الإمام : لا تصدّقوا . . انها مكيدة . . فأبوا إلا الكف عن القتال ، ثم اختاروا للتحكيم